زكريا القزويني

310

آثار البلاد واخبار العباد

والتمر في ذلك الوقت على الأعذاق غير متماسك ، فلولا لطف اللّه تعالى لتساقطب كلّها بنقر الغربان ثمّ تنتظر صرامها ، فإذا تمّ الصرام رأيتها تخلّلت أصول الكرب فلا تدع حشفة إلّا استخرجتها . فسبحان من قدر ذلك لطفا بعباده ! قال الجاحظ : من عيوب البصرة اختلاف هوائها في يوم واحد ، فإنّهم يلبسون القمص مرّة والمبطنات مرّة لاختلاف جواهر الساعات . ومن ظريف ما قيل في اختلاف هواء البصرة قول ابن لنكك : نحن بالبصرة في لو * ن من العيش ظريف نحن ما هبّت شمال * بين جنّات وريف فإذا هبّت جنوب * فكأنّا في كنيف ومن متنزّهاتها وادي القصر ؛ ذكر الخليل أن أباه مرّ بوادي القصر فرأى أرضا كالكافور وضبّا محترشا وغزالا وسمكا ، وصيادة وغناء ملّاح على سكانه وحداء جمّال خلف بعيره فقال : يا وادي القصر نعم القصر والوادي * في منزل حاضر إن شئت أو بادي ترفا به السّفن والظلمان حاضرة * والضّبّ والنّون والملّاح والحادي حكي أن عبيد اللّه بن زياد ابن أبيه بنى بالبصرة دارا عجيبة سمّاها البيضاء ، والناس يدخلونها ويتفرّجون عليها ، فدخلها اعرابيّ قال : لا ينتفع بها صاحبها ! ودخلها آخر وقال : أتبنون بكلّ ريع آية تعبثون ؟ فقيل ذلك لعبيد اللّه ، قال لهما : لأيّ شيء قلتم ما قلتم ؟ قال الأعرابي : لأني رأيت فيها أسدا كالحا وكلبا نابحا وكبشا ناطحا ! وكان كما قال ما انتفع بها عبيد اللّه أخرجه أهل البصرة منها . وقال الآخر : آية من كتاب اللّه عرضت لي قرأتها ، فقال : واللّه لأفعلنّ بك ما في الآية الأخرى : وإذا بطشتم بطشتم جبّارين . فأمر أن يبنى عليه ركن من أركان قصره .